محمد كرد علي
134
خطط الشام
المشتركة قلما تجد لها نصيرا في هذه الأرض ، ولو كانت مياه الشفة فكيف بمياه الري ري الأرض . خراب الزراعة والمزارع : ويمكن أن يقال إن القطر خرب بنزول الفاتحين المخربين والعاهات الطبيعية ثم من فساد النظام في الدولتين الجركسية والتركية في القرون الوسطى إلى هذا العهد ، وقد كان مسرح ظلم ، وميدان حروب وغارات ، يهلك الفلاح فيه كما يهلك النمل تحت الأقدام ، وقبل أن يهلك ابن المدن الذي له من اجتماعه بأخيه ، واعتصامه وراء حصنه وسوره بعض الوقاية ، وكانت القرى التي على جوانب الطرق تخرب قبل غيرها ، وعلى نسبة قرب القرية من المدينة أو من الطرق الموصلة أو طرق الغزاة والفاتحين ، كان الخراب إليها أسرع من الماء إلى الحدور . وكان من دلائل القوة في تلك الأعصر أن تخرب القرى وتلقى النار فيها إذا غضب الملك أو الأمير أو المقدم أو صاحب الإقطاع على ذاك الإقليم أو تلك القرية . وكان قطع الأشجار من أبلغ أنواع النكاية في الخصم ولذلك أمثلة كثيرة في القديم والحديث إلى زمن كتابة هذا الفصل . وما أصيبت به الأشجار في غوطة دمشق خلال الثورة الشامية الأخيرة مثال مما تعمله الحكومات حتى باسم الحضارة . فكأن طبائع الحكومات واحد يوم تغضب من شعب أو تريد أن تكره التناء على النزول على إرادتها . وأهم ما أثر في حالة الفلاح نظام الحكومات ، لأن أصول الإدارة لم تؤسس في هذه المملكة على ما يجب ، وكانت المظالم الأرضية والمفاسد البشرية أشد تأثيرا في أهل الفلح والكرث والقائمين على تربية الماشية والضرع ، من الآفات السماوية ، كالزلازل والأوبئة والقحط من قلة أمطار أو فيضان أو انتشار جراد أو ديدان وجرذ وفيران . هذه العوامل هي جماع الخراب الذي أصاب العامر فدمر القرى والأقاليم ، ومنها ما لا تزال دمنه ومياهه شاهدة على ماضيه الزاهر ، فقد ذكر الظاهري من أهل المئة التاسعة للهجرة أنه كان على عهده نيف وألف قرية ومدن صغار في حوران ، وأنه كان في إقليم غوطة دمشق نيف وثلاثمائة قرية وبه مدن صغار وبلدان تشابه المدن ، وأنه كان في وادي التيم وما إليه ثلاثمائة وستون قرية ، وإذا